الأجيال النافعة في برج قلاويه لم تولد من فراغ، بل هي ثمرة قدوة لقادة استشهدوا وبقيت أرواحهم تقود الخطى وتصنع مدرسة الأخلاق
تأثير الشهداء القادة في حياتنا يتجاوز حدود الأنشطة الكشفية الرسمية. أتذكر دائماً نصائحهم الأخوية، جلساتهم الدينية الدافئة، وتعاليمهم لنا حول الإخلاص والإيمان الحقيقي. لقد تركوا في داخلي أثراً عميقاً، وأتمنى في المستقبل أن أنقل هذه الأمانة للجيل الجديد بنفس الصدق
الأبناء يتأثرون بعمق بسلوك قادتهم ويقلدونهم. في الفوج، تأثر أولادنا بسيرة وأخلاق قادة شهداء مثل القائد مهدي والقائد مهند شري. هؤلاء القادة علموا أولادنا كيف يكون الصبر عند الشدائد، وكيف يكون الحِلم والأخلاق الرفيعة في التعامل مع الآخرين. رحلوا كشهداء، لكن أثرهم التربوي بقي حياً في سلوك أبنائنا
هُناك… حين لا تكفي الصورة
ماذا لو كانت الصورة التي نعرفها عن مكانٍ ما صحيحة، لكنها ليست كاملة؟ ماذا لو كانت الكاميرا قد التقطت المشهد فعلًا، لكنها تركت خارجه حياةً كاملة؟ قد ترى مجموعة من الأطفال بزيٍّ موحّد، يقفون في صفٍّ منتظم. ترى الأعلام، الأنشطة، المسيرات، المخيّمات، الاجتماعات والاحتفالات. وقد تسمع عن مؤسسةٍ لها حضورها الديني والاجتماعي والثقافي، وتقرأ عنها في خبرٍ أو تقرير، فتتكوّن في ذهنك صورة تبدو واضحة. لكن الصورة، مهما كانت واضحة، تبقى مرتبطة بما اختارت الكاميرا أن تلتقطه، وبالزاوية التي اختار الإعلام أن يقدّم من خلالها الموضوع. وهي، بطبيعتها، لا تستطيع أن تخبرنا بكل شيء. لا تستطيع أن تقول لنا ماذا يعني أن يكبر طفلٌ داخل هذه البيئة، ماذا يتعلّم بعيدًا عن الكاميرا، كيف يصف هو تجربته، وما الذي يأخذه معه من سنواتٍ قضاها بين رفاقه وقادته، أو ماذا تعني هذه الذاكرة لعائلةٍ أو لبلدةٍ أو لجيلٍ كامل.
هنا تبدأ الحكاية؛ ليس عند محاولة إثبات أن صورةً ما صحيحة أو خاطئة، بل عند السؤال عمّا يمكن أن نكتشفه إذا وسّعنا زاوية النظر.
في الإعلام، لا تُصنع الصورة من الكاميرا وحدها. الخبر نفسه اختيار، والعنوان اختيار، واللقطة التي نضعها في المقدمة اختيار. الشخص الذي نعطيه مساحة للحديث، والزمن الذي نمنحه له، والسياق الذي نضع كلامه فيه، كلها قرارات تساهم في بناء المعنى. وهذا جزء أساسي من طبيعة العمل الإعلامي؛ فالصحفي لا يستطيع أن يضع كل ما يعرفه داخل مادة واحدة. لكن كل زاوية تفتح بابًا، وقد تترك في المقابل جوانب أخرى تحتاج إلى مزيد من البحث والاستماع. ومن هنا تصبح التغطية الإعلامية عملية مستمرة في بناء الفهم، لا مجرد نقلٍ لمشهدٍ واحد.
في الحالة اللبنانية، حيث تتقاطع السياسة مع الطائفة والانتماء الاجتماعي والإعلام، تصبح صورة أي مؤسسة مرتبطة بسياقٍ أوسع من نشاطها اليومي. وبالنسبة إلى كشافة الإمام المهدي، ظهرت في الإعلام تغطيات تناولتها من زوايا مختلفة، من بينها الزاوية الدينية والسياسية، إلى جانب صور مرتبطة بأنشطتها ومناسباتها. وهذه الزوايا تشكّل جزءًا من الصورة الإعلامية المتداولة، لكنها تفتح في الوقت نفسه مجالًا لطرح أسئلة أخرى: كيف تبدو التجربة بالنسبة إلى الأشخاص الذين عاشوها؟ كيف يصفها أفرادها؟ وما الذي تعنيه لهم على المستوى الشخصي والاجتماعي والتربوي؟
وهنا تحديدًا يأتي دور الصحافة. ليس أن تستبدل روايةً برواية، ولا أن تعلن من البداية أي صورة هي «الحقيقة»، بل أن تطرح أسئلة إضافية، وتبحث عن مصادر وتجارب قد تساعد الجمهور على رؤية الموضوع من أكثر من زاوية. فحين نتحدث عن مؤسسة أو جماعة، لا يكفي أحيانًا أن نعرف كيف تظهر في الإعلام؛ من المهم أيضًا أن نعرف كيف يصفها الأشخاص الذين مرّوا بتجربتها، وكيف يفهمونها هم.
" هذا السؤال هو الذي قاد إلى "هُناك
في برج قلاويه، لا يبدأ الكشاف وينتهي عند الزيّ أو النشاط. هناك طفل يدخل المكان للمرة الأولى، وربما يجد فيه أصدقاء وبيئة جديدة. هناك من يتعلم العمل ضمن فريق، ومن يتحمل مسؤولية، ومن يكتشف جوانب جديدة من شخصيته. وهناك قائد يختبر معنى المسؤولية من خلال تعامله مع عناصره، وأم تلاحظ تفاصيل في حياة ابنها من داخل البيت، وشاب يحمل معه من سنواته الكشفية علاقاتٍ وذكرياتٍ وتجارب يرى أنها تركت أثرًا في حياته.
هذه التفاصيل لا تقدم بالضرورة إجابة واحدة عن التجربة الكشفية، لكنها تضيف أصواتًا إلى فهمها. فالكشاف، بالنسبة إلى من عاش التجربة، قد يكون أكثر من نشاطٍ أسبوعي؛ وقد يكون أيضًا مساحةً للتعلم والعلاقات والمسؤولية والانتماء والعمل مع الآخرين. لذلك يصبح السؤال أكثر تحديدًا من «ماذا يفعل الكشاف؟» ليصبح: «كيف يصف الأشخاص أثر هذه التجربة في حياتهم؟»
الإجابة هنا لا يمكن أن تأتي من منشورٍ تعريفي أو صورةٍ واحدة. تأتي من الناس؛ من القائد الذي يتحدث عن تجربته، ومن الكشاف الذي يروي ما أخذه معه من سنواته، ومن الأم التي تصف ما تراه في ابنها، ومن الشخص الذي يستطيع أن يقول ببساطة: «هذا الشيء ترك أثرًا فيّ». عند هذه النقطة، تصبح المقابلة أكثر من تسجيل صوت؛ تصبح مادةً تساعدنا على فهم تجربة من الداخل، ويصبح الصوت جزءًا من بناء القصة، لا مجرد إضافة إليها.
وهذا ما حاول مشروع «هُناك» أن يفعله: أن ينتقل من الحديث عن الكشاف إلى الاستماع إلى من عاشه. ليس لإنتاج صورةٍ مثالية، ولا لإلغاء الصور الموجودة، بل لإضافة طبقةٍ أخرى إليها؛ طبقة فيها الإنسان، وتفاصيل حياته، وذاكرته، وعلاقاته، وطريقته الخاصة في فهم تجربته.
فالإنسان لا يعيش داخل عنوانٍ صحفي. لا يعيش فقط داخل كلمة «كشاف» أو «قائد» أو «شهيد». وراء كل واحدة من هذه الكلمات حياة. القائد له طفولة ورفاق وعائلة وأحلام واهتمامات وأيام عادية لا تظهر دائمًا في الصور المرتبطة بدوره. والشهيد، قبل أن يصبح اسمًا في صورةٍ تذكارية، كان شخصًا يعيش بين الناس؛ له صوته، وعلاقاته، وأعماله، وأماكن اعتاد أن يكون فيها. وحين يغيب، تبقى لدى من عرفه ذاكرةٌ عنه، تختلف من شخصٍ إلى آخر، وتشكّل جزءًا من ذاكرة المجتمع الذي عاش فيه.
لهذا يتعامل «هُناك» مع ذاكرة القادة والشهداء بوصفها جزءًا من الذاكرة المحلية والكشفية، وليس فقط بوصفها لحظةً أخيرة في حياة شخص. فالاهتمام بالذاكرة لا يعني تقديم شخصٍ بصورةٍ واحدة، بل محاولة التعرف إلى حياته كما يتذكرها من عرفوه، وإلى الأثر الذي يصفه أفراد المجتمع والأجيال اللاحقة. وفي برج قلاويه، تصبح هذه الذاكرة مساحةً يلتقي فيها الماضي بالحاضر؛ جيل يتذكر جيلًا سبقه، وأشخاص يروون ما بقي فيهم من تجارب من عرفوهم.
لكن الوصول إلى هذه القصص يحتاج إلى أكثر من جمع المقابلات. يحتاج إلى طريقةٍ تجعل الجمهور يقترب من التجربة بدل أن يتلقاها من مسافة. وهنا يأتي الإعلام الرقمي؛ فالقصة اليوم لا يجب أن تُحصر في نص. يمكن لصورةٍ قديمة أن تفتح بابًا لذاكرة، ولصوتٍ مسجّل أن يعيد شخصًا إلى لحظةٍ مضت، ولقطةٍ من مكانٍ ما أن تضيف سياقًا لا يستطيع الكلام وحده أن يقدمه. يمكن للفيديو أن يعرّفنا إلى الوجه، وللصوت أن يقرّبنا من الإنسان، وللصورة الأرشيفية أن تربط الماضي بالحاضر، وللنص أن يمنح كل ذلك سياقه.
من هنا جاء «هُناك» كموقعٍ إلكتروني متعدد الوسائط، لا باعتباره مجرد واجهة لعرض المشروع، بل باعتباره جزءًا من طريقة السرد نفسها. فالزائر لا يدخل ليجد جوابًا واحدًا جاهزًا، بل يدخل ليكتشف مجموعة من الأصوات والقصص والمواد. يتنقل بين المقابلات، يشاهد، يسمع، يقرأ، ويرى الأرشيف، ويتعرف إلى الأشخاص من خلال شهاداتهم وتجاربهم. كل مادة تضيف جانبًا جديدًا، ومع اجتماع هذه الجوانب تتكوّن صورة أكثر تعددًا. وفي المساحة المفتوحة للتجارب، يصبح الجمهور نفسه قادرًا على الإضافة، لأن الذاكرة الجماعية لا تُبنى دائمًا بصوتٍ واحد.
وربما هذه هي النقطة الأساسية في المشروع: أن الصحافة لا تُقاس فقط بما تقوله، بل أيضًا بالأسئلة التي تطرحها والمساحات التي تفتحها أمام الناس. عندما نروي قصة مؤسسةٍ من زاوية محددة، لا يعني ذلك بالضرورة أن التغطية غير صحيحة؛ لكن قد تكون هناك زوايا أخرى تستحق أن تُبحث وتُسمع. طفلٌ يتحدث عن تجربته، شابٌ يصف ما تعلمه، قائدٌ يروي مسؤوليته، عائلةٌ تستعيد ذكرياتها، أو شخصٌ يشرح كيف أثرت سنواته في المكان على حياته؛ كل هذه الأصوات تشكل مواد يمكن من خلالها الاقتراب أكثر من التجربة.
ولذلك، فإن «هُناك» لا يطلب من المتلقي أن يصدق روايةً معينة. بل يدعوه إلى الاقتراب، ووضع الحكم المسبق جانبًا، ولو للحظة، وطرح سؤال الصحفي: ماذا يحدث عندما نذهب أبعد من المشهد؟ عندما لا نكتفي بالزي، ماذا نجد؟ عندما لا نكتفي بالنشاط، ماذا نسمع من الذين عاشوه؟ وعندما لا نكتفي بعنوانٍ عن شخصٍ رحل، ماذا يمكن أن نعرف عن حياته من شهادات من عرفوه؟
قد نجد إجابات مختلفة، وربما حتى متباينة. وهذا جزء من قيمة القصة. لأن التجربة الإنسانية لا تُختصر دائمًا في رواية واحدة، والصحافة لا تحتاج إلى إجبار الأصوات المختلفة على الوصول إلى النتيجة نفسها.
في النهاية، لا يسعى «هُناك» إلى استبدال صورةٍ بأخرى، ولا إلى تقديم إجابة واحدة عن تجربةٍ معقّدة. هو محاولة لتوسيع مساحة النظر، وإضافة أصوات وتجارب من داخل الحالة المدروسة، حتى يتمكن المتلقي من تكوين فهمه الخاص. فكل صورة لها إطار، وكل إطار يبرز جانبًا ويترك جوانب أخرى خارجه. وربما تكون مهمة الصحافة أحيانًا في أن تفتح هذا الإطار، وتطرح أسئلة جديدة، وتمنح الناس مساحةً أكبر لرواية تجاربهم.
لذلك، ليست القضية في أن نرى صورةً معينة، بل في أن ندرك أنها واحدة من طرق رؤية الموضوع. فبين الصورة والتجربة مساحةٌ تستحق أن تُبحث، وبين الخبر والإنسان تفاصيل قد تحتاج إلى وقتٍ أطول كي تظهر، وبين الأرشيف والذاكرة قصص لا يمكن لصورة واحدة أن تختصرها.
هُناك لا يقول: هذه هي الصورة الصحيحة
بل يقول: هذه زاوية أخرى تستحق أن تُرى
هناك… حيث لا تنتهي القصة عند حدود الصورة
هناك… حيث يمكن للصورة أن تكون أوسع